سيد محمد طنطاوي

406

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات متعددة ، فصلها الإمام ابن كثير - رحمه اللَّه - فقال ما ملخصه : وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد اللَّه بن أبي بن سلول وأتباعه ، فقد ذكر محمد بن إسحاق ، أنه لما قدم النبي صلى اللَّه عليه وسلم المدينة بعد غزوة أحد ، قام عبد اللَّه بن أبي ، والرسول صلى اللَّه عليه وسلم يخطب للجمعة ، فقال : أيها الناس ، هذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أكرمكم اللَّه به . . فأخذ بعض المسلمين بثيابه من نواحيه وقالوا له : اجلس يا عدو اللَّه ، لست لهذا المقام بأهل ، وقد صنعت ما صنعت - يعنون مرجعه بثلث الناس دون أن يشتركوا في غزوة أحد - . فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : واللَّه لكأنما قلت بجرا - أي : أمرا منكرا - أن قمت أشدد أمره . فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد ، فقالوا له : ويلك ، مالك ؟ . . ارجع للنبي يستغفر لك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : واللَّه ما أبتغي أن يستغفر لي . وفي رواية أنه قيل له : لو أتيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فسألته أن يستغفر لك ، فجعل يلوى رأسه ويحركه استهزاء . . . ثم قال الإمام ابن كثير - رحمه اللَّه - ما ملخصه : وذكر ابن إسحاق في حديثه عن غزوة بنى المصطلق - وكانت في شعبان من السنة الخامسة من الهجرة - أن غلاما لعمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - اسمه الجهجاه بن سعيد الغفاري تزاحم على ماء مع رجل من الأنصار اسمه سنان بن وبر . . فقال سنان : يا معشر الأنصار ، وقال الجهجاه : يا معشر المهاجرين . فغضب عبد اللَّه بن أبي - وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم - وقال : أو قد فعلوها ؟ ! ! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا . واللَّه ما مثلنا وجلابيب قريش - يعنى المهاجرين - إلا كما قال القائل : « سمن كلبك يأكلك » واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ، ليخرجن الأعز منها الأذل . فذهب زيد إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره الخبر . . .